عبد الوهاب الشعراني

270

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

الصادقين بسنجار وما يليها وأجمع المشايخ على تبجيله واحترامه وقصد بالزيارات من سائر الأقطار . ومن كلامه رضي اللّه عنه مقام العارفين على سبعة أصول القصد إلى اللّه تعالى بالسير والاعتصام باللّه في الأمور ، والجلوس مع اللّه تعالى بالأمر والنصيحة لعباد اللّه في السر والجهر ، وكتم أسرار اللّه تعالى في الطي والنشر وثبوت الحال مع العلم بالصبر وذكر لا إله إلا اللّه الملك الحق المبين ، فإذا قطع العارف هذه الأحوال ورقى عن رؤية الأفعال فتح اللّه تعالى عليه في القصد إلى اللّه بالسر ، باب النفس وعلامته أن يستروح القلب إلى أنوار التجلي بنفس السرور وسراج الأنس في مشكاة الكشف وهذا النفس لا يكون إلا في حضرة الشهود بعد غيبة الأرواح في معارج الأحوال واستغراق الأسرار في مدارج روح القدس يحسم مادة الجهات واتحاد العلم وذهاب الرسم . وهذا أول ملابس العارفين وأول استرواح أرواح العارفين ، هذا الذي لا يطفئ نور شهوده نور وجوده ولا يحجب نور وجوده حقيقة شهوده ، وحقيقة القصد إلى اللّه تعالى بالسر يظهر الحقيقة بادية في حجاب العلم ، ثم يفتح اللّه تعالى له في الاعتصام باللّه باب العناية ، وعلامته أن يفتح اللّه تعالى له من بصيرته عيونا ثلاثة : عين يدرك بها المعرفة ، وعين يدرك بها أنوار الحقائق ، وعين يدرك بها أنوار المعرفة ، كما أن العيون ثلاثة : عين البصر ، وعين البصيرة ، وعين الروح ، فعين البصر تدرك المحسوسات وعين البصيرة تدرك المعنويات وعين الروح تدرك الملكوتيات ، ثم يفتح اللّه تعالى له في الجلوس مع اللّه باب الاستغراق في عين التفريد وله خمسة أركان : فناء القرب في عين المشاهدة واضمحلال العلم في بحر الجمع واستهلاك الفناء في بحر الأزل واستغراق الوجود في طي العدم واستعدام البقاء في برق الأبد ، ففناء القرب في عين المشاهدة للمرسلين مصفاة الأسرار وللمقربين عنايات الأبرار ، واضمحلال العلم في بحر الجمع للصديقين رؤية ، وللأبرار مشاهدة ، لأن الرؤية للذات « 1 » والمشاهدة لأنوار الصفات . وكان رضي اللّه عنه يقول : استهلاك الفناء في بحر الأزل للمرسلين حقيقة ، وللمقربين حق

--> ( 1 ) لما طلب موسى عليه السلام رؤية المولى عز وجل قال سبحانه لن تراني ومعنى ذلك أن الرؤية في الدنيا محالة قال تعالى على لسان موسى عليه السلام : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الأعراف : الآية 143 ] .